أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

181

العقد الفريد

فقيل لعمر بن عبد العزيز : لو أخذت ما كان يأخذ عمر بن الخطاب ؟ فقال : إن عمر ابن الخطاب لم يكن له مال ، وأنا مالي يغنيني ! . ولما ولي عمر بن عبد العزيز قام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أعدني على هذا وأشار إلى رجل ، قال : فيم ؟ قال : أخذ مالي وضرب ظهري . فدعا به عمر فقال ما يقول هذا ؟ قال : صدق ، إنه كتب إلى الوليد بن عبد الملك : « وطاعتكم فريضة » قال : كذبت ! لا طاعة لنا عليكم إلا في طاعة اللّه . وأمر بالأرض فردّت إلى صاحبها . عبد اللّه بن المبارك عن رجل أخبره ، قال : كنت مع خالد بن يزيد بن معاوية في صحن بيت المقدس ، فلقينا عمر بن عبد العزيز ولا أعرفه ، فأخذ بيد خالد وقال : يا خالد ، أعلينا عين ؟ قلت : عليكما من اللّه عين بصيرة وأذن سميعة ! قال : فاستلّ يده من يد خالد وأرعد « 1 » ودمعت عيناه ومضى ، فقلت لخالد : من هذا ؟ قال : هذا عمر ابن عبد العزيز ، وإن عاش فيوشك أن يكون إماما عدلا . وقال رباح بن عبيدة : اشتريت لعمر قبل الخلافة مطرفا بخمسمائة ، فاستخشنه وقال : لقد اشتريته خشنا جدا ! واشتريت له بعد الخلافة كساء بثمانية دراهم ، فاستلانه وقال : لقد اشتريته ليّنا جدا ! . ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر وعليه ريطة « 2 » من رياط مصر : فقال : بكم أخذت هذا يا أبا سعيد ؟ قال : بكذا وكذا . قال : فلو نقصت من ثمنها ما كان ناقصا من شرفك . قال مسلمة : إن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجدة ، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة ، وأفضل اللّين ما كان بعد الولاية . وكان لعمر غلام يقال له درهم يحتطب له ، فقال له يوما : ما يقول الناس يا درهم ؟ قال : وما يقولون ؟ الناس كلهم بخير ، وأنا وأنت بشر ! قال : وكيف ذلك ؟

--> ( 1 ) أرعد : أخذته الرعدة . ( 2 ) الريطة : كل ثوب لين رقيق .